ابراهيم بن عمر البقاعي

585

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

المناظر لمن يناظره : هب أن هذا على ما تقول . يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا يعتقده ، ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره ، فهذا ما ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليه السّلام ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ يوسف : 38 ] ، فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون ، ويشهد لما قلناه قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ الأنعام : 83 ] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون ، فمن الخلق من جعله اللّه سامعا بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك ، ومنهم الميت ، والموتى على ضربين : منهم من يزاح عن جهله وعمهه ، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتا لا حراك به ، يبين ذلك قوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] ؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل - وإن لم يكن متيقظا بأول وهلة ، ولا سامعا أول محرك ، ولا مستجيبا لأول سامع - قد ينتقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة ؛ ناسب تحريك العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين : حالة السامعين لأول وهلة ، وحالة السامعين في ثاني حال ، فقيل : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [ الأنعام : 36 ] ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به ، وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار ، ولأن هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته ، رجعت حالة ابتدائه ، فقيل : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من سنة الغفلة كما دعا لكل إلى اللّه دعاء واحدا فقيل : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا ، وردّ هذا وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ إسماعا للكل ، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على العباد ، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر ، وفاز بالخير أهله ، قال تعالى بعد آي : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 122 ] وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة اللّه عليه بإحيائه : هل يشبه الآن حالك النيرة - بما منحت حين اعتبرت - بحالك الجمادية ؟ فاشكر ربك واضرع إليه في طلب الزيادة ، واتعظ بحال من لزم حال موته فلم تغن عنه الآيات ، وهو المشار إليه بقوله : كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا